محمود ماضي

81

الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده

من معجزات موسى وعيسى - عليهما السلام - لأن مجىء محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » تصديق لهما من جهتين : الأولى : « من جهة إخبارهم بمجيئه ومبعثه » « 1 » وسنأتي على تفصيل هذا في غير هذا الموضع . الثانية : « من جهة إخباره بمثل ما أخبروا به ومطابقته ما جاء به لما جاءوا به » . فإن الرسول الأول إذا أتى بأمر لا يعلم إلا بوحي ثم جاء نبي آخر لم يقارنه في الزمان ولا في المكان ولا تلقى عنه ما جاء به وأخبر به سواء . دل ذلك على صدق الرسولين الأول والآخر » . ولا يشترط في إخبار النبي المقدم عن النبي المتأخر « أن يخبرنا بالتفصيل التام بأنه يخرج من القبيلة الفلانية في السنة الفلانية في البلد الفلاني . . . وقد يبقى خفيا لا يعرفون مصداقه إلا بعد دعاء النبي اللاحق أن النبي المقدم أخبر عنى وظهور صدق ادعائه بالمعجزات وعلامات النبوة » . « 2 » أما نفيهم النسخ وإنكارهم نبوة محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » لهذا السبب فلا حجة لهم فيه بعد أن أوضحنا جوازه ، فقد كان « يوشع نبيا في زمن موسى وبقي بعده وقد نسخ شريعته بشريعة موسى » « 3 » . كذلك فإن قول العيسوية - من اليهود - أنه « صلّى اللّه عليه وسلّم » رسول إلى العرب خاصة فظاهر البطلان لأنهم لما صدقوا بالرسالة لزمهم تصديقه في كل ما يخبر به ، فمتى « ثبت أنه نبي ، فالنبي لا يكذب وقد قال : ( بعثت إلى الناس كافة ) وقد كتب إلى قيصر وكسرى وسائر ملوك العجم » « 4 » وهذا معلوم متواتر « كما علم وجوده ودعواه ورسالته » ولما ثبت أنه « صلّى اللّه عليه وسلّم » ادعى « أنه مبعوث إلى الكافة ثم صدقه اللّه تعالى بالإعلام المعجزة فإنه لا بد من أن يكون مبعوثا إلى الأحمر والأسود » « 5 » . وطبيعي أن من صدق به نبيا إلى العرب يلزمه التصديق به نبيا إلى الناس كافة ما دام الأمران ثابتين بالروايات التي يحتج بها ، فضلا عن أنه « صلّى اللّه عليه وسلّم » لم يعدم المعجزة الدالة على صدقه . فلا حجة إذن لمن أنكر نبوته من العنانية من اليهود أو من حدها بالعرب .

--> ( 1 ) - ابن القيم : إغاثة اللهفان ج 2 ص 351 . ( 2 ) - رحمة اللّه الهندي : إظهار الحق ج 2 ص 134 ( 3 ) - ابن القيم : إغاثة اللهفان ج 2 ص 351 وأيضا : النبوة في الإسلام للمؤلف . ( 4 ) - ابن الجوزي : تلبيس إبليس ص 71 أدار الطباعة المنيرة . ( 5 ) - القاضي عبد الجبار : شرح الأصول الخمسة 583 .